كتب/ د. ناصر محمد ناصر
هل ستتطور الأزمة السياسية الراهنة إلى حرب أهلية؟ للإجابة على هذا السؤال دعونا ننظر في الآتي:
إبتداءً لا أستطيع القطع بالإجابة على هذا السؤال بالنفي أو الإثبات، ولكني أستطيع أن أقرأ في جملة مؤشرات تدل على أن النظام يسير بالأزمة نحو الحرب الأهلية، سواءً بوعي منه أو بدون وعي. ومن هذه المؤشرات مواجهة الحركات الاحتجاجية في المحافظات الجنوبية بتجنيد مجاميع تكون بمثابة رأس حربة لضرب تلك الحركات، فقد ظهر من يطلقون على أنفسهم مسمى حراس الوحدة، وقاموا بخروقات قانونية عديدة تحت سمع وبصر السلطة، التي لم تحرك ساكناً، مما يشي بكونهم يلعبون دوراً لحساب السلطة. كما أن هناك شكوكاً عميقة في الدور الذي يقوم به طارق الفضلي، فالرجل في عام 1994م حارب في صفوف النظام، وبعد الحرب كان من كبار من استفادوا من نتائج تلك الحرب، حيث تمكن من اقتطاع حيازات واسعة في دلتا أبين، وتواطأ مع آخرين من أقطاب النظام بالحصول على حيازات كبيرة، وبعد أن أظهر انشقاقه على النظام، لم يصحح وضعه بالتخلي عن تلك الأملاك التي حصل عليها بطرق غير مشروعة، كي يقنع الناس بأنه قد بات منهم ولم يعد عليهم، وإنما ادعى بأنه يمتلك كامل أراضي محافظة أبين، وأجزاء من أراضي محافظات أخرى. كما أدلى بتصريحات خطيرة، منها انه يمسك بملف تنظيم القاعدة بيده، ويستطيع تحريكه في الوقت الذي يريد. وصدرت منه أقوال وأفعال تستهدف أبناء المحافظات الشمالية، وأصبح يدير عصابات مسلحة تلاحق وتطارد أبناء المحافظات الشمالية، وكل هذه الاعتبارات لا تخدم الحركة الاحتجاجية في المحافظات الجنوبية، التي هي في أساسها ثورة على الظلم والإقصاء والتهميش، بصرف النظر عن توظيفها من قبل البعض ضد الوحدة. ورغم كل ما بدر من الرجل، فقد عمد النظام إلى دعمه بطريقة غير مباشرة، حينما سرب أنباء عن إنذاره بمغادرة البلاد، وسرب أنباء عن صلف الفضلي في رده على ذلك الإنذار، فجاء ذلك الرد ليرفع من مكانة الرجل، ويجعل منه القيادة الأبرز في المحافظات الجنوبية.
إني لا أريد أن أقطع بشيء، ولا أريد أن أصل إلى نتيجة محددة، فالقارئ وحده هو من يملك حرية استنتاج ما يرى أنه الأصوب، ولكن القراءة المتأنية لكل ما بدر من الفضلي حتى الآن يصب في مخطط النظام. فالنظام يريد أن يوجه رسالة لأبناء المحافظات الجنوبية الذين ثاروا ضد الظلم والنهب والتسلط ليقول لهم فيها، إذا كنتم تتذمرون اليوم من نهب حيازات من الأرض من قبل بعض أقطاب النظام، فإن من تراهنون عليهم في رفع هذا الظلم، لن يكتفوا بحيازات وإنما هم يتطلعون إلى امتلاك محافظات بأكملها، وهذا ما فعله الفضلي على وجه التحديد، والنظام يريد ربط الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية بالجماعات الإرهابية، كتنظيم القاعدة حتى يحصل على مشروعية دولية وإقليمية في قمعها، وهذا ما فعله الفضلي على وجه التحديد، عندما صرح بأنه يمسك بملف تنظيم القاعدة ويستطيع تحريكه، والنظام لا يريد قطعاً أن تكون المواجهة في المحافظات الجنوبية محصورة بينه وبين القوى المناوئة له، ويخشى من أن يتبع أبناء المحافظات الشمالية إخوانهم في المحافظات الجنوبية فتكون الثورة شاملة، ويريد ضرب إسفين بين أبناء المحافظات الشمالية والجنوبية، حتى يتمكن من سحق الحركات الاحتجاجية في الجنوب، وهذا ما تمكن من فعله الفضلي، بتوجيه انتقاداته وتهديداته وعصاباته ضد أبناء المحافظات الشمالية بدلاً من توجيهها ضد النظام.
إن قراءتي تصل إلى خلاصة مؤداها أن الفضلي حتى الآن لم يضر النظام بشيء بل أفاده كثيراً، لكن بالمقابل من يضمن للنظام استمرار ولاء الفضلي، والتزامه حدود الدور المرسوم له من قبل النظام؟ ألا يحتمل أن يفعل الفضلي مثلما فعل الحوثي، بأن يلعب دوراً لحساب النظام، وفي رأسه مخطط آخر؟ ما الذي سيحول بين الفضلي بعد أن يتمكن من جمع أسباب القوة من مال ورجال وسلاح ونفوذ، من أن يتحول إلى حوثي آخر؟ عندها هل سيقوى النظام على خوض حرب على جبهتين، حرب ضد الإمامة في الشمال، وحرب ضد السلطنة في الجنوب؟ إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد -ولا أستبعد أن تصل إليه- فسنكون حينها على مشارف مرحلة جديدة، قوامها حرب أهلية مفتوحة جغرافياً وزمنياً، وسيستحيل حينها جمع فصائل مسلحة على مشروع وطني، بعد أن استحال اليوم جمع قوى سياسية على مثل هذا المشروع.
Dr.naserf3@yahoo.com