كتب/محمد عبدالملك المتوكل
لم أكن أتصور أنني سوف أتلقى كل هذا النقد على مقالتي "القضاء أرضي أم سماوي" وهو إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الاحتقان الذي يشعر به الناس كنتيجة للممارسة الخاطئة للسلطة، فالنقد هذه المرة لم يأت من كتاب الأجهزة -حسب العادة- ولا من مؤسسة القضاء صاحبة العنية وإنما أتى من قراء أعزاء يتابعون ما أكتب باهتمام وبرضا جعل أحدهم يقول لي -وفي الشارع- "مقالتك هذه المرة لم تمتعني".. كالعادة وقد فهمت قصده، فقد تلقيت قبل ذلك نقدا حادا من ناشطين حقوقيين هما رضية المتوكل وعبدالرشيد الفقيه ومن آخرين منهم من أعرف ومنهم من لا أعرف.
الناقدون يشاطروني الرأي فيما قلته عن القضاء السماوي ولكنهم وبكل حدة يستنكرون الصورة التي رسمتها للرئيس علي عبدالله صالح كرئيس يقبل النقد ويفرح به ويستفيد منه. وذلك في وقت يقبع في سجن الأمن القومي والسياسي عدد من الصحفيين، منهم السقلدي وفؤاد راشد وأحمد الربيزي وأولاد باشراحيل وعميدا الكلمة الحرة والشجاعة محمد المقالح وهشام باشراحيل وفي الوقت الذي أوقفت فيه سلطة الرئيس صحيفة الأيام، والوطني، والشورى، وحجبت موقع المصدر ومنعت سمير جبران ومنير الماوري وأنيسة عثمان من الكتابة وجلاوزة الرئيس هم الذين جلسوا على صدر عبدالكريم الخيواني وأمام أطفاله وهم الذين اختطفوا الصحفي جمال عامر وضربوه وهددوه بالموت ورموه في الفلاة وهم الذين يعذبون ويمتهنون محمد المقالح لا لشيء سوى أنه صحفي مهني شريف ينقل الحقيقة للناس بكل شجاعة وأمانة وليس ممن يكتمون الحق وهم يعلمون.
قبل أن أرد وأوضح رأيي انبرى ريدان المتوكل المحاسب القانوني الذي تقتصر علاقته بالساسة على القراءة وحوار "الفيس بك" فقال: الدكتور في كتاباته لا يتعامل بعين الرضا الكليلة عن كل عيب ولا بعين السخط التي لا تبدي إلا المساوئ وكما للقمر جانب مظلم فللقمر جانب مشرق وكذلك البشر.
ريدان على حق، فالبشر على اختلاف ألوانهم ومذاهبهم ومناطقهم لهم جانب خير كما لهم جانب شر وليس من الإنصاف التركيز على جانب واحد وإغفال الجانب الآخر بل قد يكون من المفيد إذا ما أمكن دعم جانب الخير في نفس إنسان ما وتهميش جانب الشر وبشكل خاص إذا كان مسئولا لديه القدرة على التدمير او البناء.
والناقدون أيضا على حق فلا يجوز دينا ولا وطنية ولا أخلاقا ولا وفاء للجاني والمجني عليه أن يغفل الكاتب ما يمارس من انتهاك للحقوق والحريات وتجاوز للدستور والقانون والمقالح وباشراحيل نموذجا. وإذا ما أصاب الحاكم في حالات فذلك لا يعني أن ليس له ممارسات خاطئة في حالات أخرى والشكر لشخص يؤدي واجبه كما يرام في حالة من الحالات هو دعوة إلى المزيد وليس تبرئة له في انتهاك الكرامات والحريات في حالات أخرى.
وقد جاء ذكر موقف الرئيس في حال المقارنة بموقف مؤسسة القضاء والحكم لصالح من تكون المقارنة يعتمد على اعتبارات عديدة.. وكمثل على ذلك لو قارنت -بالنسبة للحريات- ما بين الثمانينات وبين اليوم سوف تكون المقارنة لصالح الرئيس.. ولكن لو قارنت الحريات بالنسبة للزمن والمتغيرات والوحدة والدستور والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان التي وقعتها السلطة سوف تكون المقارنة في غير صالح الرئيس. ومقارنة حاكم عسكري في قبوله النسبي بالنقد بمؤسسة القضاء المسئولة عن العدل -والتي يديرها العلماء ورثة الأنبياء، حماة الشريعة والدستور والقانون- سوف تكون المقارنة لصالح الحاكم العسكري، الذي لم يهدد بالمساءلة القانونية لمن ينتقد نظامه وفساد سلطته بل قال إنه يفرح بالنقد.. المواطن هو الحكم على الفارق بين القول والعمل وهو الذي يقدر الفجيعة بالمستوى الذي وصلت إليه مؤسسة يفترض أنها الملجأ للمواطن عند الظلم وأنها الحامية للحقوق والحريات والتي لا يجوز شرعا ودينا أن تتحول إلى أداة لتقنين الظلم وشرعنته.
وإذا ما انطلقت أنا من تجربتي الشخصية فإني فيما أكتب أو أقول أو أدرس لم أجد من عمل على الحد من حريتي، وحين تغضب السلطة مما أكتب كل ما تعمله أنها تهري كتاب الأجهزة ليسجلوا سيمفونيتهم المعتادة، ذات الطابع الشخصي الذي لا يناقش رأيا وإنما يتناول عرضا، ولا ضير فكل يعطي مما عنده.
ختاما أرى أن المدافعين عما كتبت على حق والمنتقدين على حق وكل قد نظر إلى الموضوع من زاوية صحيحة وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه ولكل مجتهد نصيب. والله متولي السرائر. |