wasat header

    غدا يتحدد مسار الحوار ومصيره ..المتوكل ينفي تفويض الإرياني والآنسي البت في قضايا الحوار الرئيسة    الحوثيون والدولة مجدداً في قطر ومؤتمر السلام يختتم أعماله..الحوثي ضمان نجاح المفاوضات رهن استعداد الطرفين بما تم الاتفاق عليه    بعد مواجهات عنيفة ..القاعدة تغادر لودر رغم الحصار العسكري ومعارضة الخارج تطالب بلجنة تقص دولية    عبدالله الحوثي: ما يجري هو تنفيذ لفتوى بقتلنا تبناها حسين الأحمر..قبائل العصيمات تفتك بمواطني حوث وعبدالملك يهدد بالانتقام    مطالب حقوقية بإطلاق سراح شائع..وشرف والجزائية تكشف مكان اعتقالهما    بعد مارثون حواري مازالا في مرحلة التهيئة للحوار..الحاكم والمشترك تهديدات مبطنة وعودة إلى بيانات إشعال الحرائق    حملة اعتقالات في لحج على خلفية قتل مدير الأمن..ازدياد تعقيدات الأوضاع الأمنية في الجنوب    الحكومة تتهم الحوثي بالسيطرة على مقارها وجباية الزكاة..قطر تتقصى التزام السلطة والحوثيين بشروط وساطتها    الأمن يطوق سبع محافظات تحسباً لهجمات محتملة للقاعدة..السعودية تكشف عن تعرض الأمير نايف لمحاولة اغتيال جهز لها في اليمن    قال إن محضر صلح قبائل صعدة مفتاح الاستقرار..القيسي يكشف لـ"الوسط" عن محضر اتفاق مع الحوثيين ويربط نجاحه بصدق النوايا
تقارير
ثالوث الابتزاز .. قراءة في كنه وطبيعة العلاقات الحاكمة
الأربعاء , 3 مارس 2010 م طباعة أرسل الخبر

 كتب/د.ناصر محمد ناصر

 

المفكر والمقدس والسياسي، من يبتز من؟ هل تبتز السلطة المفكر؟ أم أن المفكر هو الذي يبتز السلطة؟ أم أن الجماعات المرجعية المسلحة بالمقدس هي التي تبتز كليهما؟ كيف يبدأ وكيف يتموضع وكيف ينتهي هذا المشكل؟ هل هناك صيرورة تفسر لنا أبعاد ومصير وأيلولة هذا الثالوث المتداخل؟ ترى من يقتل من؟ من ينتصر على من؟ من هو الخاسر في نهاية المطاف؟ 
 في البداية يعمد المفكر إلى إعمال فاعليته الفكرية في قضايا عصره ومجتمعه بغية تبديد الحُجب وإزاحة ركام الموروثات، التي تحول دون رؤية الواقع، والتي تحول دون رؤية أفق المستقبل، وهو في فاعليته هذه يسعى إلى هدم واختراق وتجاوز كل ما يعيق حركة المجتمع، غير عابئ بما لبعض هذه الحُجب  والسواتر من قدسية، وما أن يبدأ بمس العائق المقدس بغية اختراقه وتجاوزه حتى تتحرك القوى المرجعية المتمترسة خلف قدسية المقدس والمشدودة إلى الموروث، تتحرك في اتجاه مضاد لهذا الاختراق، متسلحة بالمقدس الذي يتحول إلى سيف مصلت على رقبة الفكر والمفكر، يسلب منه كيانه ووجوده إن هو أمعن في اختراق وهتك الحُجب والسواتر والمساس بالموروث، وبما أن السواد الأعظم من المجتمع مُرتهن للتراث والموروث ولا تساوره أدنى شكوك في قدسية المقدس فإن هذا السواد يتحول إلى فاعلية عكسية تدفع المثقف إلى التردد أو التراجع عن مضائه، والتموضع في صراعه في ركن خفي، وتضع في يد القوى المرجعية والظلامية مشروعية الأغلبية المرتهنة للتراث.
 وفي خضم هذا الصراع يتدخل السياسي بمكره ووضاعته وانتهازيته فينصب نفسه حامياً للفاعلية الفكرية، كما ينصب نفسه حامياً لقدسية المقدس والموروث، فيبسط مظلته الحمائية على هذين القطبين المتناكفين، حامياً المفكر من سطوة الموروث والمقدس، وحامياً الموروث والمقدس من فاعلية المفكر والمثقف، ومن قدرته التفكيكية، والتي ستقود في نهاية المطاف إلى الكشف عن خواء الأسس التي يرتكز عليها المقدس والموروث، وفي هذه الحماية السم الزعاف لقطبي الصراع،  فهي تمكن السياسي من تدجين المفكر، الذي عليه أن يحجم عن توظيف فاعليته  الفكرية في تشريح جسد الواقع المكبل بالموروث والمقدس، وفي سبر آفاق وفضاءات المستقبل، وفي استنبات إمكانيات جديدة في هذا الفضاء، وأن يحول هذه الفاعلية الفكرية إلى فاعلية خدمية آنية محايثة، حيث يُقدم السياسي على موضعة المفكر والمثقف في واجهة من واجهات النظام مسنداً إليه إدارة مؤسسة علمية أو ثقافية، وبموجب الصفقة فإن على المفكر أن يجعل من نفسه ومن فاعليته الفكرية واجهة لتجميل صورة النظام الذي يديره ويمتلكه السياسي، وهذه هي الفاعلية الخدمية التي أزاحت الفعلية الفكرية عن فضائها وتوطنت هذا الفضاء، وإن بقي بعد هذا للمفكر من فاعلية فكرية فعليه أن يتجه بها نحو التخوم ويعالج بها المهمش والمرذول من قضايا عصره ومجتمعه، فبدلاً من إعمال هذه الفاعلية في هتك وهدم واختراق وتفكيك العوائق والعقبات الثقافية والاجتماعية والسياسية، عليه أن يتجه بها نحو الهامشي والثانوي والشكلي، فيعالج بها قضايا لا تدخل في صميم المجتمع ولا في أولويات إهتماماته، وما أن تُنحى هذه الفاعلية على هذا النحو حتى تصبح آلة كليلة كالحة تنتقل من حالة الفاعلية إلى حالة المفعولية، وفي خضم هذا الارتداد لفاعلية المفكر تتولد لديه فاعلية أخرى، فاعلية أفرزتها شروط الصفقة بين المفكر والسياسي، المفكر الذي كان يطمح إلى تجاوز الراهن وتجاوز التجاوز نفسه، والسياسي الذي رتب الأوضاع على النحو الذي يحقق مصالحه الآنية ويسعى جاهداً إلى ترسيخ هذا الترتيب وعدم المساس به، والى قتل أي تغيير من شأنه أن يطال ركود الوضع الآسن والقائم، وفي هذا التعارض كل التعارض مع تجديدية وتجاوزية المفكر.
 إن هذه الفاعلية الجديدة للمفكر التي أفرزتها شروط الصفقة تفعل فعلها في اتجاهين اثنين، الأول يتجه نحو استغلال الموقع الذي موضعه فيه السياسي استغلالاً أمثلاً لتحقيق مكاسب مادية واجتماعية، فيصبح هذا الموقع أداةً لتحقيق الثراء السريع وورقة لتبادل المنافع وتوثيق الصلات والأواصر مع النخبة الفاعلة في المجتمع، بما لها من مردود نفعي على المفكر الموظف بعيداً عن أي أسس أو معايير موضوعية تحكم أداء هذا الموقع، وبذلك ينحرف بهذا الموقع عن موقعه وموضعه في خدمة المجتمع ويعمد إلى زحزحته إلى حيز خدمة الذات وإرضاء الطموح، الذي أفرزته شروط الصفقة بينه وبين السياسي، وعليه ففاعليته الجديدة في هذا الاتجاه تفعل نحو تحقيق الذات، وتعمل كمعول خفي غير مُدرَك لهدم نظام السياسي من داخله، هذا النظام الذي سلبه فاعليته الفكرية وكبله بقيود وأصفاد مسخت وجوده كمفكر وحولته إلى موظف، وولدت لديه فاعلية من نوعٍ آخر تعمل كمعول لهدم الأساس الاقتصادي والمؤسسي للمجتمع، فبدلاً من تكريس موارد المؤسسة وتكريس المؤسسة التي تموضع على رأسها لخدمة المجتمع يتم هذا التكريس لخدمة الذات وإرضاء الطموح وحب الظهور، وهنا تتشابك الخيوط ويتعقد نسيج العلاقات وتنحرف الأهداف والمقاصد، فالعلاقة الصراعية التي كانت قائمة بين المفكر والمقدس والتي تهدف إلى ردم الهوة بين واقع ومستقبل المجتمع تجمدت،  وتجمدت معها حركة المجتمع وتحولت إلى علاقة صراعية مبطنة بين المفكر الموظف والسياسي قصير النظر من ناحية وبين المفكر الموظف والمجتمع من ناحية أخرى، بعد أن تحول المفكر بفعل فاعلية السياسي العمياء إلى مفعولية، فأصبح من ضمن العقبات التي تعترض سير وتقدم المجتمع ونصلاً غائراً في جسد هذا المجتمع، ومن هنا أثمرت المظلة الحمائية للسياسي الأخرق فاعليتها السلبية فسلبت المفكر فاعليته الفكرية، وولدت لديه فاعلية جديدة سلبية يستخدمها كمعول لهدم نظام السياسي وهدم كيان المجتمع الذي ولّد وأفرز مثل هذا النظام.
 أما مردود هذه المظلة الحمائية على المقدس والموروث فلا تقل تدميراً عن مردودها على المفكر والمثقف، ذلك أن هذه الحماية جعلت المقدس يركن إلى الكسل الذهني والخمول والاسترخاء وفي هذا الاسترخاء، الناجم عن الشعور بالأمن الزائف، الجمود وغياب الفاعلية، إن فاعلية الشيء تكمن في ضده ونقيضه الذي يكون في نفس الوقت لازمته، ففي هذا الضد والنقيض الحافز على الخلق والإبداع والتطور، فالفكر لا يواجه إلا بالفكر ومن هذه المواجهة يتولد فكر جديد أكثر أصالة وصلابة وحيوية وتطوراً، وفي غياب هذا الضد ينزع الشيء كياناً أو فكراً إلى فضاء المهمش والمرذول والمتعالي، المنفصل عن واقع الحياة، إن تصفية العلماني من الساحة وترك فضاء هذه الساحة للمقدس واللاهوتي وحده لم يقتل العلماني والواقعي فحسب وإنما أصاب المقدس واللاهوتي نفسه في مقتل بإفقاده حافزه على التطور والخلق والإبداع والتجديد الذي لا ينبت إلا تحت سماء النقد والتفكيك والتمحيص. 

 

Dr.Naser f3@yahoo.com  

(كامل الحقوق محفوظة لـ(صحيفة الوسط)

تصميم مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي