لهذه الأسباب كان لابد من اجهاض مشاورات جنيف         خفايا مفاوضات غريفث في صنعاء وما قاله عن حرب الإمارات في الحديدة , وما لذي طلبته بريطانيا بخصوصها , وكيف اسقط قائد انصار الله ذرائع التحالف        اسباب عدم اكتراث امريكا باستهداف الفرقاطة السعودية وقرارها التصعيدي وهكذا عبرت مصر وتجاهلت اوروبا        قادة الرفض للاحتلال السعودي للمهرة يتعرضون لخديعة من هادي والميسري في ظل تواصل اقالة المعارضين      
    خارج الحدود /
السعودية: أزمات صحية وانسداد سياسي

2009-07-15 09:37:28


 
اعتقد المراقبون للشأن السعودي ان تعديلات الملك عبد الله وخاصة المتعلقة منها بنظام هيئة البيعة السرية ستحل أزمة القيادة السعودية، خاصة ان هذه القيادة قد دخلت مرحلة العجز والمرض إلا ان تعيين وزير الداخلية المفاجئ في منصب الوزير الثاني قد بدد التكهنات بشأن تفعيل نظام البيعة الجديد. وعادت السعودية وقيادتها الى ممارساتها السابقة متجاوزة بذلك انظمة وضعت وكان الهدف منها التعاطي مع حالات المرض التي تتعرض لها شخصيات كبيرة في الدولة كالأزمة الصحية التي يعاني منها ولي العهد الامير سلطان وجاء انتقاد تجاوز الأنظمة الجديدة من داخل الأسرة عندما أطلق الامير طلال بعض التصريحات في الاعلام متسائلاً عن جدوى انظمة جديدة في ظل ممارسات قديمة وطالب بايضاحات حول عملية التعيين الجديدة والتي تجاوزت تطلعات بعض افراد الأسرة في تفعيل الممارسة الجديدة أثناء انتخابات داخل الأسرة التي تؤدي الى تنصيب مسؤولين كبار في اعلى سلم القيادة. وفي ظل مرض ولي العهد الحالي وغيابه عن الساحة السياسية كان على الملك ان يفعل انظمة قد اقرها هو بنفسه ويدعو اعضاء الهيئة السرية لاجتماع طارئ يناقش فيه مصير الملكية في البلاد حتى يرى بنفسه كيفية تعاملها مع الأزمات لا ان ينتظر اللحظة الحاسمة بعد وفاته او وفاة ولي العهد. ولكن الملك يبدو انه قرر تأجيل المواجهة مع افراد الأسرة وكلهم يطمح ان يأتي دوره في تبوؤ أعلى منصب في الدولة. هذا يدل على ان اسلوب التأجيل لا يزال متبعاً في السعودية كمحاولة هروب من الانسداد السياسي الذي وصلت اليه القيادة في تعاملها مع التوريث على خلفية وجود عدد كبير من المنتظرين الذين يطمحون الى الانقضاض على مناصب قليلة تعد من أهم المناصب. ولا يعتبر تنصيب وزير الداخلية في الموقع الثاني من المفاجآت إذ ان هذا الوزير يعد نفسه المسؤول عن امن الدولة وشأنها الداخلي فوزارته من اكبر الوزارات وأقواها فهي توظف اكثر من مئات الموظفين وذراعها الأمنية المناط بها رصد وتأديب المواطنين لها صلاحيات كثيرة تتجاوز في اهميتها الوزارات الأخرى حتى الدفاع. وربما قد حصدت هذه الوزارة اهمية بالغة تحت مظلة الحرب على الارهاب فكان لا بد لوزيرها الاول ان يكافأ على الجهود التي بذلتها مؤسساته الداخلية الامنية والاستخباراتية والتي طالت الكثير من المواطنين حتى الابرياء في السنوات الماضية. فكان لا بد للملك ان يأخذها بعين الاعتبار في التعاطي مع الفراغ القيادي الذي حصل نتيجة تدهور صحة ولي العهد الحالي. فجاء التعيين الأخير ليعكس التوازنات داخل الأسرة وعملية الشراكة المفروضة على ارض الواقع وليس انظمة البيعة الجديدة. ولن يتجرأ الملك في الوقت الحاضر على تجاوز التوازنات او تفعيل انظمته الجديدة، إذ ان ذلك سيفتح مجال المنافسة والصراع المفضوح ليخرج الى العلن في مرحلة عصيبة تجد السعودية فيها كل بوادر التراجع والتقهقر امام معطيات المنطقة داخلياً وخارجياً. تتطلب هذه المرحلة قيادة جديدة قادرة على التصدي للاحداث المتراكمة خلال السنوات الماضية في المحيط الداخلي، وأولها ازمة العنف السياسي والذي ان كان قد تم احتواؤه مؤقتاً الا ان جذوره لا تزال موجودة وقد تنذر باعادة ظهوره على الساحة في أي وقت. ناهيك عن تدهور الثقة بقدرة القيادة على انتشال المجتمع من آفات البطالة وقلة فرص العمل والحرب الأهلية غير المعلنة بين اطياف المجتمع الفكرية المتعددة والمتضادة. اما في المحيط الخارجي وتحت ضغوط عوامل كثيرة منها الفشل في تفعيل مبادرات السلام وحل القضية الفلسطينية العالقة وشبح المواجهة مع ايران والجبهة العراقية المفتوحة وبداية التأزم اليمني على الحدود الجنوبية وجدت السعودية نفسها تحت قيادتها الحالية عاجزة عن صياغة سياسة خارجية بقدر حجم الأزمات القديمة والجديدة. ويعزى هذا العجز والفشل الداخلي والخارجي الى معضلة لم تستطع الاصلاحات الجديدة المزعومة ان تستوعب تداعياتها ومخاطرها. تحتاج السعودية اليوم الى وثيقة اصلاحية متكاملة تنتشلها من حالة الركود المستشرية والتي اخرجتها من المعادلة الاقليمية وأبعدت قيادتها عن هموم المجتمع ومشاكله. واثبتت القيادة الحالية بأسلوبها ومماطلتها واصلاحاتها الصغيرة وخطواتها المتعثرة انها لا تملك الجرأة المطلوبة لعملية نهضة حقيقية داخل الأسرة ناهيك عن قفزات بعيدة المدى ترسي دعائم حكم جديد يتماشى مع تطلعات الكثيرين الذين ضحّوا بحريتهم ورزقهم في سبيل اسماع اصواتهم للقيادة والعالم. لقد واجهت القيادة اصوات الاصلاح اما بالتجاهل او بالقمع مما جعل البعض يتساءل عن مدى استجابة هذه القيادة لدعوات الاصلاح والتغيير التي تتجاوز تعيينات جديدة وانتخابات محدودة او أنظمة ما ان يجف الحبر على ورقها حتى تدفن في غياهب الوزارات ومباني اصحاب الشأن. وستبقى السعودية رجل المنطقة المريض الى ان تحل ازمة توريث الحكم الملكي. وطالما بقي النظام المتبع يتأرجح في افقيته اللامتناهية معتمدا على شخصيات غير مستعدة ان تضحي وتخرج من اللعبة السياسية وعملية التوازنات الداخلية ستظل السعودية رهينة التنافس والصراع بين شخصيات تنتظر دورها في الحكم وتنخرط في استقطاب اطياف المجتمع لتساندها في تناحرها مع اعضاء الأسرة الآخرين. لن تحل هذه الأزمة بعمليات التعيين والتنصيب والأجدر بالملك ان يتصدر عملية التقنين واخراج بعض المتنافسين من حلبة الصراع ان كان يريد ان يضمن استمرارية القيادة قبل ان يفوت الاوان. لكن الملك يبدو وكأنه مكبل من قبل اجنحة اثبتت انها تملك القدرة على اعاقة قراراته بما تملك من قوة على الأرض. ويثبت التاريخ ان صراع الأقوياء يخلق حيزاً للضعفاء يستغلونه لتمرير مشاريعهم وعندها لن تجد القيادة النجدة التي تتوقعها عندما تأتي ساعة الحسم إذ ان التململ من السياسات المسندة قد بلغ ذروته ولن تستطيع الممارسات السابقة وعملية التأجيل ان تستوعبه بأسلوبها المعهود. لقد خسر الملك فرصة ذهبية لاشراك المجتمع في العملية السياسية من خلال بناء مؤسسات صامدة تبقى بعد زوال الاشخاص ومهما طال عمر القيادة الا انها ستواجه النهاية الطبيعية ولن يبقى سوى التجاوز والتعدي على كرامة الانسان كذكرى لمرحلة انقرضت. وتقنين استئثار اعضاء الأسرة على مرافق الدولة هو بداية لعملية اشراك فعاليات المجتمع في اتخاذ القرار والمسؤولية من خلال اطار مؤسساتي شفاف ورؤية واضحة لهوية الدولة ودورها في المجتمع. ولكن بدلاً من ذلك قام الملك بتوسيع نطاق الدور الذي يلعبه اعضاء الأسرة في الوزارات واعادة بعض الوزارات الى الامراء تماماً كما حصل مؤخراً عندما تم تعيين احد الأمراء في وزارة كانت من نصيب اعضاء في المجتمع من خارج الأسرة الحاكمة. انتكاسات القيادة السعودية وتراجعها عن اصلاحها المزعوم يدلان على الهاجس المستشري في جسدها فهي لا تؤمن بالمشاركة ولكنها تتطلع دوماً لسيطرتها على الجميع والكل في بيروقراطية الدولة الحالية. وان تكرمت بمنصب تمنحه لغيرها فيأتي ذلك كمكافأة على خدمات وولاء وليس بناء لرغبة في اشراك المجتمع في العملية السياسية واستجابة لمطالب شعبية. ستظل السياسة في طريق مسدود في السعودية حتى تتخلص القيادة من هاجس الاستئثار بالقرار والموارد. وهي عقدة تضرب الأنظمة الملكية في لحظة ضعفها عندما تعتقد انها ان رضخت لبعض المطالب سينفرط العقد وتخسر كل شيء. لقد أدى هذا الهاجس الى تفعيل الدور الأمني للدولة وتجاوز دورها الآخر في مسيرة التنمية والنهضة الحقيقية التي لا تأتي فقط بتدشين المشاريع بل بنقلة سياسية تصوغ هوية جديدة ودورا فعالا في المحيط الداخلي والخارجي. يجب على الأسرة الحاكمة ان تتجاوز عقدة الدولة الغنيمة التي توزع على المحاربين القدامى بعد ان يخمد رماد المعركة. لقد اعاق مبدأ الدولة الغنيمة مسيرة التطور وتحديث مشروع الدولة السعودية وحتى هذه اللحظة لا يوجد البديل على مستوى الفكر او الممارسة الذي يوحي ان القيادة مستعدة لاستبدال الغنيمة المقدسة بمشروع حضاري يتلاءم مع التغييرات الاجتماعية خلال اكثر من نصف قرن. الدولة الحديثة ليست غنيمة بل مؤسسة تخدم المجتمع وتنبثق عنه وهي تقوم على عقد اجتماعي حيث ينيط بها المجتمع مسؤولية تسيير اموره وتوفير الخدمات له ومنها الأمني والاقتصادي والفكري والثقافي والتربوي وتمثيله في المجتمع الدولي ليس من منطلق الوصاية عليه بل من منطلق الدفاع عن مصالحه واستقلاليته. ان لم تصل السعودية الى مفهوم الدولة بهذا الشكل وتسرع لاستبدال مفهومها القديم بمفهوم جديد لن تنفع التعيينات الجديدة او القادمة في انتشال البلاد من انسدادها السياسي الحالي وستتكرر الأزمات الصحية في المستقبل دون ان تكون الارضية المؤسساتية قد بنيت لاستيعابها واستيعاب الصراعات التي تنشأ في ظلها.




جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign